الشيخ محمد هادي معرفة
26
التفسير الأثرى الجامع
والمراد بالعمل هنا هي عمليّة الاستنباط وأنّه كيف تستخلص الفروع من الأصول ، فكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يفقّه أصحابه في الدّين ويهديهم إلى الترتيل والتفسير جميعا . وقد سار على منهاجه كبار أصحابه وخيار التابعين والصفوة من عترته الطيّبين . كانوا قدوة للناس ، يعلّمونهم الكتاب والحكمة وفصل الخطاب ، الأمر الذي وفّر على الأمّة تراثا علميّا خالدا وفي حجم كبير وأصبح منهلا عذبا يتروّى منه الوافدون عبر الأعصار . ولقد كان معينا صافيا وضافيا بالخير والبركات لولا ما عكر صفو زلالها أكدار الدسّ والتزوير ، من دخائل إسرائيليّة وأخرى وضعتها يد الاختلاق وربّما تساهل بعض الأوائل في حشد تلك الآثار من غير تنقيح أو تهذيب ، ومن غير أن يخلصوا السليم عن السقيم ، ومن ذلك جاءت البليّة في الخلط بين الغثّ والسمين ، بما لا ينبغي . وأوّل من جمع فأوعى واستكثر من لمّ الشوارد ، هو الإمام أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ( 224 - 310 ) ، سواء في تاريخه أو في التفسير . وهكذا أولع أصحاب المجاميع الحديثيّة - بشتّى أنحائها - بنقل تلك الآثار وحكاية تلك الأخبار ، وأكثرها من غير تمحيص . وفي ذلك يقول العلّامة ابن خلدون ( 732 - 808 ) : وصار التفسير على صنفين ، تفسير نقليّ مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف ، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي ، وكلّ ذلك لا يعرف إلّا بالنقل عن الصحابة والتابعين . وقد جمع المتقدّمون في ذلك وأوعوا ، إلّا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسّمين والمقبول والمردود . وجاء شاهدا لذلك بالطبري والواقدي والثعالبي وأمثالهم من المفسّرين . ثمّ قال : والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وانّما غلبت عليهم البداوة والأمّيّة ، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشريّة في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنّما [ كانوا ] يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى . وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ، ولا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهوديّة ، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم